الشيخ محمد رشيد رضا

35

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سائر ما يعرض لهم من المصائب بالصبر والصلاة . اما الصبر فقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخرى فيه بهذا المقدار ، وهذا يدل على عظم امره ، وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقرونا بالتواصي بالحق ، إذ لا بد للداعي إلى الحق منه والمراد بالصبر في هذه الآيات كلها ملكه الثبات والاحتمال التي تهون على صاحبها كل ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة . فضيلة هي أم الفضائل التي تربي ملكات الخير في النفس ، فما من فضيلة الا وهي محتاجة إليها . وانما يظهر الصبر في ثبات الانسان على عمل اختياري يقصد به إثبات حق أو إزالة باطل أو الدعوة إلى عقيدة ، أو تأييد فضيلة ، أو إيجاد وسيلة إلى عمل عظيم ، لأن أمثال هذه الكليات التي تتعلق بالمصالح العامة هي التي تقابل من الناس بالمقاومة والمحادة التي يعوز فيها الصبر ، ويعز معها الثبات على احتمال المكاره ، ومصارعة الشدائد ، فالثابت على العمل في مثل هذه الحال هو الصابر وإن كان في أول الأمر متكلفا ، ومتي رسخت الملكة يسمى صاحبها صبورا وصبارا . وليس كل متحمل للمكروه من الصابرين الذين أخبر اللّه في هذه الآية انه معهم وبشرهم في الآية الآتية ، وأثنى عليهم في آيات كثيرة ، بل لا بد من العمل للحق والثبات فيه كما قدمنا لأن الفضائل لا تتحقق الا بما يصدر عنها من الاعمال الاختيارية التي هي مناط الجزاء ، بل الصبر نفسه ملكة اكتسابية ولذلك امر اللّه تعالى به ، وانما يكون الامتثال بتعويد النفس احتمال المكاره والشدائد في سبيل الحق . وعلى ذلك جرى النبي عليه الصلاة والسّلام وأصحابه عليهم الرضوان ، حتى فازوا بعاقبة الصبر المحمودة ونصرهم اللّه تعالى مع قلتهم وضعفهم على جميع الأمم مع قوتها وكثرتها ، وإنما كان ذلك بالصبر ، لان اللّه تعالى جعله سببا للنجاة من الخسر ، كما جاء في سورة العصر ، المتحمل للمكروه مع السآمة والضجر لا يعد صابرا ، وهذا هو شأن منتحلي العلم ومدعي الصلاح في هذا الزمان ، تراهم أضعف الناس قلوبا وأشدهم اضطرابا إذا عرض لهم شيء على غير ما يهوون ، على أن عنوان صلاحهم واستمساكهم بعروة الدين هو جرس الذكر وحركات الأعضاء في الصلاة ، وما كان للمصلي ولا للذاكر أن يكون ضعيف القلب عادم الثقة باللّه تعالى وهو جل ثناؤه يبرئ المصلين